الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
565
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقال الطيبي عن صاحب الفرائد : يمكن أن يظنّ استعمال التداين مجازا في الوعد كقول رؤبة : داينت أروى والديون تقضى * فمطلت بعضا وأدّت بعضا فذكر قوله « بدين » دفعا لتوهم المجاز . والدين في كلام العرب العوض المؤخّر قال شاعرهم : وعدتنا بدرهمينا طلاء * وشواء معجّلا غير دين وقوله : إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى * طلب تعيين الآجال للديون لئلّا يقعوا في الخصومات والتداعي في المرادات ، فأدمج تشريع التأجيل في أثناء تشريع التسجيل . والأجل مدة من الزمان محدودة النهاية مجعولة ظرفا لعمل غير مطلوب فيه المبادرة ، لرغبة تمام ذلك العمل عند انتهاء تلك المدة أو في أثنائها . والأجل اسم وليس بمصدر ، والمصدر التأجيل ، وهو إعطاء الأجل . ولما فيه من معنى التوسعة في العمل أطلق الأجل على التأخير ، وقد تقدم في قوله تعالى : فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ * [ البقرة : 234 ] وقوله : حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ [ البقرة : 235 ] . والمسمّى حقيقته المميّز باسم يميّزه عمّا يشابهه في جنسه أو نوعه ، فمنه أسماء الأعلام وأسماء الأجناس ، والمسمّى هنا مستعار للمعيّن المحدود ، وإنّما يقصد تحديده بنهاية من الأزمان المعلومة عند الناس ، فشبه ذلك بالتحديد بوضع الاسم بجامع التعيين ؛ إذ لا يمكن تمييزه عن أمثاله إلّا بذلك ، فأطلق عليه لفظ التسمية ، ومنه قول الفقهاء المهر المسمى . فالمعنى أجل معيّن بنهايته . والدين لا يكون إلّا إلى أجل ، فالمقصود من وصف الدين بهذا الوصف ، وهو وصف أجل بمسمّى إدماجا للأمر بتعيين الأجل . وقوله : بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعمّ كل دين : من قرض أو من بيع أو غير ذلك . وعن ابن عباس أنّها نزلت في السلم - يعني بيع الثمار ونحوها من المثليات في ذمة البائع إذا كان ذا ذمة إلى أجل - وكان السلم من معاملات أهل المدينة . ومعنى كلامه أنّ بيع السلم سبب نزول الآية ، ومن المقرر في الأصول أنّ السبب الخاص لا يخصّص العموم . والأمر في « فاكتبوه » قيل للاستحباب ، وهو قول الجمهور ومالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد ، وعليه فيكون قوله : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [ البقرة : 283 ] تكميلا لمعنى الاستحباب . وقيل الأمر للوجوب ، قاله ابن جريج والشعبي وعطاء والنخعي ، وروي عن